فصل: تفسير الآيات رقم (6- 9)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏37- 39‏]‏

‏{‏وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ‏(‏37‏)‏ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ‏(‏38‏)‏ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ‏(‏39‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنعَمَ الله عَلَيْهِ‏}‏ يعني‏:‏ زيد بن حارثة قد أنعم الله عز وجل عليه بالإسلام ‏{‏وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ‏}‏ بالعتق ‏{‏أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ‏}‏ قال قتادة‏:‏ جاء زيد بن حارثة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن زينب اشتد عليّ لسانها، وإني أريد أن أطلقها‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اتَّقِ الله ‏{‏أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ‏}‏»‏.‏ وكان يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقها‏.‏ وخشي مقالة الناس أن أمره بطلاقها فنزلت هذه الآية‏.‏

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال‏:‏ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلى زيد بن حارثة يطلبه في حاجة له‏.‏ فإذا زينب بنت جحش قائمة في درع وخمار‏.‏ فلما رآها أعجبته ووقعت في نفسه‏.‏ فقال‏:‏ «سُبْحَانَ الله مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي»‏.‏ فلما سمعت زينب جلست‏.‏ فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فلما جاء زيد ذكرت ذلك له‏.‏ فعرف أنها أعجبته ووقعت في نفسه، وأعجب بها رسول الله‏.‏ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ يا رسول الله‏:‏ إنَّ زينب امرأة فيها كبر، تعصي أمري، ولا تبرُّ قسمي، فلا حاجة لي فيها‏.‏ فقال له‏:‏ «اتَّقِ الله يَا زَيْدُ فِي أَهْلِكَ وَأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ»‏.‏ وكان يحب أن يطلقها‏.‏ فطلّقها زيد ونزلت هذه الآية ‏{‏أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله‏}‏‏.‏ ‏{‏وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ‏}‏ يعني‏:‏ تسر في نفسك ليت أنه طلقها ‏{‏مَا الله مُبْدِيهِ‏}‏ يعني‏:‏ مظهره عليك حتى ينزل به قرآناً ‏{‏وَتَخْشَى الناس‏}‏ يعني‏:‏ تستحي من الناس‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَتَخْشَى‏}‏ مقالة الناس ‏{‏والله أَحَقُّ أَن تخشاه‏}‏ في أمرها‏.‏ قال الحسن‏:‏ ما أنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم آية أشد منها، ولو كان كاتماً شيئاً من الوحي لكتمها‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً‏}‏ يعني‏:‏ حاجة ‏{‏زوجناكها‏}‏ فلما انقضت عدتها تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال الحسن‏:‏ فكانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول‏:‏ أما أنتن فزوّجكن آباؤكن‏.‏ وأما أنا فزوجني رب العرش تعني‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏زوجناكها‏}‏ ‏{‏لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ‏}‏ يعني‏:‏ لكيلا يكون على الرجل حرج بأن يتزوج امرأة ابنه الذي يتبنّاه ‏{‏فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً‏}‏ يعني‏:‏ حاجة ‏{‏وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً‏}‏ تزوُّج النبي صلى الله عليه وسلم إياها كائن لا بد واللام للزيادة، وكي مثله فلو كان أحدهما، لكان يكفي ولكن يجوز أن يجمع بين حرفين زائدين إذا كانا جنسين‏.‏

وإنما لا يجوز إذا كانا من جنس واحد كما قال ‏{‏فَاطِرُ السماوات والارض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا وَمِنَ الانعام أزواجا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئ وَهُوَ السميع البصير‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 11‏]‏ ولا يصلح أن يقال‏:‏ مثل مثل أو كي كي فإذا كانا جنسين جاز‏.‏ فقالت اليهود والمنافقون‏:‏ يا محمد تنهى عن تزوج امرأة الابن ثم تتزوجها‏.‏ فنزل قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏مَّا كَانَ عَلَى النبى مِنْ حَرَجٍ‏}‏ يقول‏:‏ ليس على النبي إثم ‏{‏فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ‏}‏ يعني‏:‏ في الذي رخص الله عز وجل من تزوج زينب ‏{‏سُنَّةَ الله فِى الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ‏}‏ يعني‏:‏ هكذا سنة الله في الذين مضوا يعني‏:‏ في كثرة تزوج النساء كما فعل الأنبياء عليهم السلام ‏{‏وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً‏}‏ يعني‏:‏ قضاء كائناً‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الذين يُبَلّغُونَ رسالات الله‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم وحده‏.‏ ويقال‏:‏ ينصرف إلى قوله‏:‏ ‏{‏سُنَّةَ الله فِى الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ‏}‏ ‏{‏الذين يُبَلّغُونَ رسالات الله‏}‏‏.‏ ‏{‏وَيَخْشَوْنَهُ‏}‏ في كتمان ما أظهر الله عليهم ‏{‏وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً‏}‏ في البلاغ ‏{‏إِلاَّ الله وكفى بالله حَسِيباً‏}‏ يعني‏:‏ شهيداً بأن النبي صلى الله عليه وسلم بلّغ الرسالة عن الله عز وجل ويقال‏:‏ شهيداً يعني‏:‏ حفيظاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏40- 48‏]‏

‏{‏مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ‏(‏40‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ‏(‏41‏)‏ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ‏(‏42‏)‏ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ‏(‏43‏)‏ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ‏(‏44‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ‏(‏45‏)‏ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ‏(‏46‏)‏ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ‏(‏47‏)‏ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ‏(‏48‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ بالتبني‏.‏ وليس بأب لزيد بن حارثة ‏{‏ولكن رَّسُولَ الله‏}‏ يعني‏:‏ ولكنه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال‏:‏ لم يكن أب الرجال لأن بنيه ماتوا صغاراً، ولو كان الرجال بنيه لكانوا أنبياء، ولا نبي بعده‏.‏

فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَخَاتَمَ النبيين‏}‏ قرأ بعضهم ولكن ‏{‏رَسُولِ الله‏}‏ بضم اللام، ومعناه‏:‏ ولكن هو رسول الله وكان ‏{‏وَيَقْتُلُونَ النبيين‏}‏ وقرأ عاصم في إحدى الروايتين ‏{‏وَخَاتَمَ النبيين‏}‏ بنصب التاء‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالكسر‏.‏ فمن قرأ بالكسر يعني‏:‏ آخر النبيين‏.‏ ومن قرأ بالنصب فهو على معنى إضافة الفعل إليه‏.‏ يعني‏:‏ أنه ختمهم وهو خاتم‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ وبالكسر نقرأ لأنه رويت الآثار عنه أنه قال «أَنَا خَاَتَمُ النَّبِيِّين» فلم يسمع أحد من فقهائنا يروون إلا بكسر التاء‏.‏

‏{‏وَكَانَ الله بِكُلّ شَئ عَلِيماً‏}‏ بمن يصلح للنبوة، وبمن لا يصلح‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يظهر من نفسه، خلاف ما في قلبه‏.‏ قيل له‏:‏ يجوز مثل هذا لأن في قوله ‏{‏أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله‏}‏ أمر بالمعروف وفيه ردّ النفس عما تهوى‏.‏ وهذا عمل الأنبياء والصالحين عليهم السلام‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ للآية وجه آخر وهو أن الله تعالى قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تكون زوجته‏.‏ فلما زوّجها من زيد بن حارثة لم يكن بينهما ألفة‏.‏ وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهاه عن الطلاق، ويخفي في نفسه ما أخبره الله تعالى‏.‏ وقال‏:‏ بأنها تكون زوجته‏.‏ فلما طلقها زيد بن حارثة، كان يمتنع من تزوجها، خشية مقالة الناس، يتزوج امرأة ابنه المتبنى به‏.‏ فأمره الله عز وجل بأن يتزوجها، ليكون ذلك سبب الإباحة لنكاح امرأة الابن المتبنى لأمته ونزل ‏{‏وَإِذْ تَقُولُ للذى أَنعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تخشاه فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زوجناكها لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فى أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 37‏]‏ الآية‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏عَلِيماً ياأيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً‏}‏ يعني‏:‏ اذكروا الله باللسان‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «إنَّ هِذِه القُلُوبَ لَتَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الحَدِيدُ»‏.‏ قيل‏:‏ يا رسول الله فما جلاؤها‏؟‏ قال‏:‏ «تِلاوَةُ كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ، وَكَثْرَةُ ذِكْرِهِ»‏.‏ وذكر أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إن شرائع الإسلام قد كثرت، فأنبئني منها بأمر أتشبث به‏.‏

فقال‏:‏ «لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبَاً مِنْ ذِكْرِ الله عَزَّ وَجَلَّ»‏.‏ ويقال‏:‏ ليس شيء من العبادات أفضل من ذكر الله تعالى، لأنه قدر لكل عبادة مقداراً، ولم يقدر للذكر، وأمر بالكثرة فقال‏:‏ ‏{‏اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً‏}‏ يعني‏:‏ اذكروه في الأحوال كلها‏.‏ لأن الإنسان لا يخلو من أربعة أحوال‏.‏ إما أن يكون في الطاعة، أو في المعصية، أو في النعمة، أو في الشدة‏.‏ فإذا كان في الطاعة ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالإخلاص، ويسأله القبول والتوفيق‏.‏ وإذا كان في المعصية ينبغي أن يذكر الله عز وجل بالامتناع عنها، ويسأل منه التوبة منها والمغفرة‏.‏ وإذا كان في النعمة يذكره بالشكر؛ وإذا كان في الشدة يذكره بالصبر‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً‏}‏ يعني‏:‏ غدواً وعشياً‏.‏ يعني‏:‏ صلوا لله بالغداة والعشي‏.‏ يعني‏:‏ الفجر والعصر‏.‏ ويقال‏:‏ بالغداة‏.‏ يعني‏:‏ صلوا أول النهار وهي صلاة الفجر ‏{‏وَأَصِيلاً‏}‏ يعني‏:‏ صلوا آخر النهار، وأول النهار‏.‏ وهي صلاة الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏هُوَ الذى يُصَلّى عَلَيْكُمْ‏}‏ يقول‏:‏ هو الذي يرحمكم ويغفر لكم ‏{‏وَمَلَئِكَتُهُ‏}‏ أي‏:‏ يأمر الملائكة عليهم السلام بالاستغفار لكم ‏{‏لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظلمات إِلَى النور‏}‏ يعني‏:‏ أخرجكم من الكفر إلى الإيمان ووفّقكم لذلك‏.‏ اللفظ لفظ المستأنف، والمراد به الماضي يعني‏:‏ أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ونّور قلوبكم بالمعرفة‏.‏ ويقال‏:‏ معناه ليثبتكم على الإيمان ويمنعكم عن الكفر‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظلمات‏}‏ يعني‏:‏ من المعاصي إلى نور التوبة، والطهارة من الذنوب‏.‏ ويقال‏:‏ من ظلمات القبر إلى نور المحشر‏.‏ ويقال‏:‏ من ظلمات الصراط إلى نور الجنة‏.‏ ويقال‏:‏ من ظلمات الشبهات إلى نور البرهان والحجة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً‏}‏ يعني‏:‏ بالمصدقين الموحدين ‏{‏رَّحِيماً‏}‏ يرحم عليهم‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ يلقون الرب في الآخرة بسلام‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ تجيبهم الملائكة عليهم السلام على أبواب الجنة بالسلام‏.‏ فإذا دخلوها، حيَّا بعضهم بالسلام‏.‏ وتحية الرب إياهم حين يرسل إليهم بالسلام‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ يسلم بعضهم على بعض‏.‏ ويقال‏:‏ يسلمون على الله تعالى‏.‏

‏{‏وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً‏}‏ يعني‏:‏ جزاءً حسناً في الجنة‏.‏ ويقال‏:‏ مساكن في الجنة حسنة‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏كَرِيماً ياأيها النبى إِنَّا أرسلناك شَاهِداً‏}‏ يعني‏:‏ شهيداً على أمتك بالبلاغ ‏{‏وَمُبَشّراً‏}‏ بالجنة لمن أطاع الله في الآخرة وفي الدنيا بالنصرة ‏{‏وَنَذِيرًا‏}‏ من النار يعني‏:‏ مخوفاً لمن عصى الله عز وجل ‏{‏وَدَاعِياً إِلَى الله‏}‏ يعني‏:‏ أرسلناك داعياً إلى توحيد الله ومعرفته ‏{‏بِإِذْنِهِ‏}‏ يعني‏:‏ بأمره ‏{‏وَسِرَاجاً مُّنِيراً‏}‏ يعني‏:‏ أرسلناك بسراج منير، لأنه يضيء الطريق‏.‏

فهذه كلها صارت نصباً لنزع الخافض‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَبَشّرِ المؤمنين‏}‏ يعني‏:‏ بشّر يا محمد المصدقين بالتوحيد ‏{‏بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ الله فَضْلاً كِبِيراً‏}‏ في الجنة‏.‏ وذلك أنه لما نزل قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه وَكَفَّ أَيْدِىَ الناس عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صراطا مُّسْتَقِيماً‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 20‏]‏ فقال المؤمنون‏:‏ هذا لك‏.‏ فما لنا‏؟‏ فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَشِّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 138‏]‏ في الجنة فلما سمع المنافقون ذلك قالوا فما لنا فنزل و‏{‏بَشِّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 138‏]‏‏.‏ ثم رجع إلى ما ذكر في أول السورة فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُطِعِ الكافرين‏}‏ من أهل مكة ‏{‏والمنافقين‏}‏ من أهل المدينة ‏{‏وَدَعْ أَذَاهُمْ‏}‏ أي‏:‏ تجاوز عن المنافقين، ولا تقتلهم‏.‏ ويقال‏:‏ ودع أذاهم يعني‏:‏ اصبر على أذاهم‏.‏ وإن خوفك شيء منهم فتوكل على الله يعني‏:‏ فوض أمْرك إلى الله‏.‏ وروى الأعمش عن سفيان بن سلمة عن ابن مسعود‏.‏ وقال‏:‏ قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمة‏.‏ فقال رجل من الأنصار‏:‏ إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله‏.‏ فأخبر بذلك، فاحمر وجهه، فقال‏:‏ «رَحِمَ الله أخِي مُوَسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هذا فَصَبَر»‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً‏}‏ يعني‏:‏ حافظاً نصيراً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 50‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ‏(‏49‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏50‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَكِيلاً ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ‏}‏ قرأ حمزة والكسائي ‏{‏تماسوهن‏}‏ وقرأ الباقون ‏{‏لَمْ تَمَسُّوهُنَّ‏}‏ مثل الاختلاف الذي ذكرنا في سورة البقرة ‏{‏فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ‏}‏ يعني‏:‏ ليس للأزواج عليهن عدة ‏{‏تَعْتَدُّونَهَا‏}‏ وإنما خصّ المؤمنات، لأن نكاح المؤمنات كان مباحاً في ذلك الوقت‏.‏ فلما أحلّ الله تعالى نكاح الكتابيات، صار حكم الكتابية وحكم المؤمنة في هذا سواء إذا طلقها قبل أن يخلو بها لا عدة عليها بالإجماع‏.‏ وإن طلقها بعد ما خلا بها، ولم يدخل بها فقد روي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنهما قالا‏:‏ لا عدة عليها‏.‏ وقال عمر وعلي ومعاذ وزيد بن ثابت وجماعة منهم رضي الله عنهم أن عليها العدة، وهو أحوط الوجهين، أنه إذا خلا بها ولم تكن المرأة حائضاً، ولم يكن أحدهما مريضاً، ولا محرماً ولا صائماً صوم فرض، يجب على الزوج المهر كاملاً، وعليها العدة احتياطاً‏.‏

وأما إذا كانت المرأة حائضاً أو مريضة أو محرمة أو صائمة عن فرض أو الرجل مريض أو صائم عن فرض أو محرم فطلقها بعد الخلوة قبل الدخول، فعليه نصف المهر، وعليها العدة احتياطاً‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَمَتّعُوهُنَّ‏}‏ يعني‏:‏ متعة الطلاق ثلاثة أثواب وهي مستحبة غير واجبة ‏{‏وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً‏}‏ يعني‏:‏ خلوا سبيلهن تخلية حسنة وهو أن يعطيها حقها‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏جَمِيلاً ياأيها النبى إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك‏}‏ يعني‏:‏ نساءك ‏{‏ياأيها النبى إِنَّا‏}‏ يعني‏:‏ أعطيت مهورهن، لأن غيره كان له أكثر من أربع نسوة أمره أن يترك ما زاد على الأربع، وقد أحلّ للنبي صلى الله عليه وسلم إمساك التسع ولم يأمره بالفرقة‏.‏ ‏{‏وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ‏}‏ يعني‏:‏ أحللنا لك من الإماء مثل مارية القبطية ‏{‏مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ‏}‏ من الغنيمة يعني‏:‏ أعطاك الله كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاغنيآء مِنكُمْ وَمَآ ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنْهُ فانتهوا واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 7‏]‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَبَنَاتِ عَمّكَ‏}‏ يعني‏:‏ أحللنا لك نكاح بنات عمك ‏{‏وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك اللاتى هاجرن مَعَكَ‏}‏ يعني‏:‏ هاجرن معه من مكة إلى المدينة أو قبله أو بعده‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وامرأة مُّؤْمِنَةً‏}‏ يعني‏:‏ أحللنا لك امرأة مؤمنة ‏{‏إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ‏}‏ صلى الله عليه وسلم وقرأ الحسن ‏{‏إِن وَهَبَتْ‏}‏ بنصب الألف ومعناه إذا وهبت ويكون ذلك الفعل خاصة لامرأة واحدة‏.‏

وقراءة العامة إن بالكسر فيكون معناه لكل امرأة إن فعلت ذلك في المستقبل‏.‏ قال مقاتل‏:‏ وذلك أن أم شريك وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم بغير مهر كذا قال الكلبي‏.‏ وروى معمر عن الزهري في قوله‏:‏ ‏{‏إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ‏}‏ قال‏:‏ بلغنا أن ميمونة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ووهبت سودة يومها لعائشة رضي الله عنها وروى وكيع عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي وعمرو بن الحكم، وعبد الله بن عبيدة قال‏:‏ تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشر امرأة‏.‏ ستة من قريش‏.‏ خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية‏.‏ وثلاثاً من بني عامر، وامرأتين من بني هلال ميمونة بنت الحارث وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وزينب أم المساكين، وامرأة من بني بكر وهي التي اختارت الدنيا‏.‏ وامرأة من بني الحزن من كندة وهي التي استعاذت منه‏.‏

وقال يحيى بن أبي كثير تزوج أربعة عشر‏.‏ خديجة وسودة وعائشة‏.‏ تزوج هؤلاء الثلاث بمكة‏.‏ وتزوج بالمدينة زينب بنت خزيمة، وأم سلمة، وجويرية من بني المصطلق‏.‏ وميمونة بنت الحارث، وصفية بنت حيي بن أخطب، وزينب بنت جحش وكانت امرأة زيد بن حارثة، وعالية بنت ظبيان، وحفصة، وأم حبيبة، والكندية، وامرأة من كلب‏.‏

وروى الزهري عن عروة قال‏:‏ لما دخلت الكندية على النبي صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ أعوذ بالله منك‏.‏ فقال‏:‏ «لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك»‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنْ أَرَادَ النبى أَن يَسْتَنكِحَهَا‏}‏ يعني‏:‏ أن يتزوجها بغير صداق ‏{‏خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين‏}‏ يعني‏:‏ خالصاً للنبي صلى الله عليه وسلم بغير مهر، ولا يحل لغيره‏.‏ وقال الزهري‏:‏ الهبة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، ولا تحل لأحد أن تهب له امرأة نفسها بغير صداق‏.‏

وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال‏:‏ لم تحل الموهوبة لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ واختلف الناس في جواز النكاح‏.‏ قال أهل المدينة باطل‏.‏ وقال أهل العراق‏:‏ النكاح جائز، ولها مهر مثلها‏.‏ وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أجاز ذلك‏.‏ وروى هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن خولة بنت حكيم وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت من المهاجرات الأول‏.‏ وقال القتبي‏:‏ العرب تخبر عن غائب، ثم ترجع إلى الشاهد فتخاطبه، كما قال هاهنا‏:‏ ‏{‏إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ‏}‏ بلفظ الغائب ثم قال‏:‏ ‏{‏خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين‏}‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ ما أوجبنا عليهم ‏{‏فِى أزواجهم‏}‏ يعني‏:‏ في أن لا يتزوجوا إلا بالمهر‏.‏ ويقال‏:‏ إلا أربعاً ‏{‏وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم‏}‏ ويقال‏:‏ يعني إلا ما لا وقت فيهن ‏{‏لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ‏}‏ في الهبة بغير مهر‏.‏ وفي الآية ومعناه‏:‏ أنا أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم لكي لا يكون عليك حرج‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَكَانَ الله غَفُوراً‏}‏ يعني‏:‏ غفوراً فيما تزوج قبل النهي ‏{‏رَّحِيماً‏}‏ في تحليل ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏51- 55‏]‏

‏{‏تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ‏(‏51‏)‏ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا ‏(‏52‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ‏(‏53‏)‏ إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ‏(‏54‏)‏ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ‏(‏55‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ‏}‏ قرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم‏:‏ ‏{‏ترجئ‏}‏ بالهمزة‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بغير الهمز‏.‏ كلاهما في اللغة واحد، وأصله من التأخير‏.‏ يقول‏:‏ تؤخر من تشاء منهن ولا تتزوجها ‏{‏مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء‏}‏ يعني‏:‏ تضم فتتزوجها لخيره في تزويج القرابة‏.‏ ويقال‏:‏ تطلق من تشاء منهن، وتمسك من تشاء‏.‏

وقال قتادة‏:‏ جعله في حل أن يدع من يشاء منهن، ويضم إليه من يشاء‏.‏ يعني‏:‏ إن شاء جعل لهن قسماً، وإن شاء لم يجعل‏.‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم‏.‏ وقال الحسن‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة فليس لأحد أن يخطبها حتى يتزوجها أو يدعها، وفي ذلك نزل‏:‏ ‏{‏تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ‏}‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَنِ ابتغيت مِمَّنْ عَزَلْتَ‏}‏ يعني‏:‏ أشرت ممن تركت ‏{‏فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ‏}‏ يعني‏:‏ لا إثم عليك ‏{‏ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ‏}‏ أي‏:‏ ذلك أجدى وأجدر إذا علمن أنك تفعل بأمر الله أن تطمئن قلوبهن ‏{‏وَلاَ يَحْزَنَّ‏}‏ مخافة الطلاق ‏{‏وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ‏}‏ من النفقة، إذا علمن أنه من الله عز وجل‏.‏ وقرئ في الشاذ‏:‏ ‏{‏كُلُّهُنَّ‏}‏ بالنصب صار نصباً لوقوع الفعل عليه وهو الإعطاء‏.‏ وتقرأه العامة‏:‏ ‏{‏كُلُّهُنَّ والله‏}‏ بالضم‏.‏ ومعناه‏:‏ يرضين كلهن بما أعطيتهن‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏والله يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ‏}‏ من الحب والبغض ‏{‏وَكَانَ الله عَلِيماً‏}‏ بما في قلوبكم ‏{‏حَلِيماً‏}‏ بالتجاوز‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ‏}‏ قال مجاهد‏:‏ أي لا تحل لك اليهوديات ولا النصرانيات ‏{‏مِن بَعْدِ‏}‏، يعني‏:‏ من بعد المسلمات، ‏{‏وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ‏}‏‏.‏ يقول‏:‏ لا تبديل اليهوديات، ولا النصرانيات على المؤمنات‏.‏ يقول‏:‏ لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية إلا ما ملكت يمينك من اليهوديات والنصرانيات يتسرى بهن‏.‏ قال الحسن وابن سيرين‏:‏ خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم، نساءه بين الدنيا والآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فشكر الله لهن على ذلك، فحبسه عليهن‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ‏}‏ ‏{‏وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ‏}‏ يعني‏:‏ لا يحل لك أن تطلق واحدة منهن، وتتزوج غيرها‏.‏ قرأ أبو عمرو‏:‏ ‏{‏لاَ تُحِلُّواْ‏}‏ بالتاء بلفظ التأنيث‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالياء، بمعنى لا يحل لك من النساء شيء‏.‏ ويقال‏:‏ معناه لا تحل لجميع النساء‏.‏ فمن قرأ‏:‏ بالتاء بالتأنيث يعني‏:‏ جماعة النساء‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ‏}‏ يعني‏:‏ أسماء بنت عميس أراد أن يتزوجها، فنهاه الله تعالى عز وجل عن ذلك، فتركها وتزوجها أبو بكر رضي الله عنه بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ‏}‏ من السريات ‏{‏وَكَانَ الله على كُلّ شَئ رَّقِيباً‏}‏ من أمر التزويج ‏{‏رَقِيباً‏}‏ يعني‏:‏ حفيظاً‏.‏

وروى عمرو بن دينار، عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حلّ له النساء بعد قوله‏:‏ ‏{‏لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏رَّقِيباً يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى‏}‏ وذلك أن أناساً من المسلمين كانوا يتحينون غذاء النبي صلى الله عليه وسلم، ويدخلون عليه بغير إذن، ويجلسون وينتظرون الغداء، وإذا أكلوا جلسوا طويلاً، ويتحدثون طويلاً، فأمرهم الله عز وجل بحفظ الأدب فقال‏:‏ ‏{‏لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى‏}‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ‏}‏ يعني‏:‏ إلا أن يدعوكم ويأذن لكم في الدخول ‏{‏غَيْرَ ناظرين إناه‏}‏ يعني‏:‏ من غير أن تنتظروا وقته‏.‏ ويقال‏:‏ أصله إدراك الطعام يعني‏:‏ غير ناظرين إدراكه‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏إناه‏}‏ يعني‏:‏ نضج الطعام‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا‏}‏ يعني‏:‏ إذا دعاكم إلى الطعام فادخلوا بيته ‏{‏فَإِذَا طَعِمْتُمْ‏}‏ الطعام ‏{‏فانتشروا‏}‏ يعني‏:‏ تفرقوا ‏{‏وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ‏}‏ أي‏:‏ لا تدخلوا مستأنسين للحديث ‏{‏إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النبى فَيَسْتَحْيِى مِنكُمْ‏}‏ أن يقول لكم تفرقوا ‏{‏والله لاَ يَسْتَحْىِ مِنَ الحق‏}‏ يعني‏:‏ من بيان الحق أن يأمركم بالخروج بعد الطعام‏.‏

قال الفقيه أبو الليث‏:‏ في الآية حفظ الأدب والتعليم أن الرجل إذا كان ضيفاً لا ينبغي أن يجعل نفسه ثقيلاً، ولكنه إذا أكل ينبغي أن يخرج‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ متاعا‏}‏ يعني‏:‏ إذا سألتم من نسائه متاعاً ‏{‏يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ‏}‏ ولا تدخلوا عليهن، واسألوا من خلف الستر‏.‏ ويقال‏:‏ خارج الباب ‏{‏ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ‏}‏ من الريبة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله‏}‏ قال‏:‏ وذلك أن طلحة بن عبيد الله قال‏:‏ لئن مات محمد لأتزوجن بعائشة فنزل‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله‏}‏ ‏{‏وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً‏}‏ يعني‏:‏ ولا أن تتزوجوا أزواجه من بعد وفاته أبداً ‏{‏إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً‏}‏ في العقوبة‏.‏

ويقال‏:‏ إنما نهى عن ذلك لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة‏.‏ وروي عن حذيفة أنه قال لامرأته‏:‏ إن أردت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها‏.‏ ولذلك حرم الله تعالى على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجن بعده‏.‏ وروي أن أم الدرداء قالت لأبي الدرداء عند موته إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا فأنكحاك‏.‏ وإني أخطبك إلى نفسي في الآخرة فقال لها فلا تنكحي بعدي، فخطبها معاوية بن أبي سفيان فأخبرته بالذي كان، وأبت أن تتزوجه‏.‏

وروي في خبر آخر بخلاف هذا أن أم حبيبة قالت‏:‏ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المرأة منا كان لها زوجان لأيهما تكون في الآخرة‏؟‏ فقال‏:‏ «إنَّهَا تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ أَحْسَنَهُمَا خُلُقاً مَعَهَا»‏.‏

ثم قال‏:‏ «يا أمَّ حَبِيبَةَ إنَّ حُسْنَ الخُلُقِ ذَهَبَ بالدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ‏}‏ يعني‏:‏ إن تظهروا من أمر التزويج شيئاً أو تسروه وتضمروه ‏{‏فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَئ عَلِيماً‏}‏ من السر والعلانية‏.‏ يعلم ما أعلنتم وما أخفيتم، يجازيكم به‏.‏

ثم خصّ الدخول على نساء ذوات محرم بغير حجاب فرخّص في ذلك وهو قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءابَائِهِنَّ‏}‏ يعني‏:‏ من الدخول عليهن ‏{‏وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إخوانهن وَلاَ أَبْنَاء إخوانهن وَلاَ أَبْنَاء أخواتهن وَلاَ نِسَائِهِنَّ‏}‏ يعني‏:‏ نساء أهل دينهن ‏{‏وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ‏}‏ من الخدم ‏{‏واتقين الله‏}‏ يعني‏:‏ اخشين الله، وأطعن الله، فلا يراهن غير هؤلاء ‏{‏إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَئ شَهِيداً‏}‏ يعني‏:‏ عالماً بأعمالهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏56- 59‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ‏(‏56‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ‏(‏57‏)‏ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ‏(‏58‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏59‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى‏}‏ والصلاة من الله الرحمة والمغفرة، ومن الملائكة عليهم السلام الاستغفار‏.‏ يعني‏:‏ أن الله عز وجل يغفر للنبي، ويأمر ملائكته بالاستغفار والصلاة عليه‏.‏

ثم أمر المسلمين بالصلاة عليه فقال‏:‏ ‏{‏النبى ياأيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ‏}‏ روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة أنه قال‏:‏ قلنا يا رسول الله كيف نصلي عليك‏؟‏ فقال‏:‏ «قُولُوا‏:‏ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» إلى آخِرِهِ‏.‏ وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «صَلَّوا عَلَيَّ، فإنَّ الصَّلاة عَلَيَّ زَكَاةٌ لَكُمْ وَاسْأَلُوا الله لِيَ الوَسِيلَةَ»‏.‏ قالوا‏:‏ وما الوسيلة يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ «أعْلَى دَرَجَةٍ فِي الجَنَّةِ لا يَنَالُهَا إلاَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ»‏.‏ وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ»‏.‏ ويقال‏:‏ ليس شيء من العبادات أفضل من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لأن سائر العبادات أمر الله تعالى بها عباده‏.‏ وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقد صلى عليه أولاً هو بنفسه، وأمر الملائكة بذلك، ثم أمر العباد بذلك‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً‏}‏ يعني‏:‏ اخضعوا له خضوعاً‏.‏ ويقال‏:‏ ائتمروا بما يأمركم الله تعالى‏.‏ ويقال‏:‏ لما نزلت هذه الآية، قال المسلمون‏:‏ هذا لك فما لنا فنزل‏:‏ ‏{‏هُوَ الذى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وملائكته لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 43‏]‏‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ‏}‏ يعني‏:‏ اليهود والنصارى حيث قالوا‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طغيانا وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يَوْمِ القيامة كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله وَيَسْعَوْنَ فِى الارض فَسَاداً والله لاَ يُحِبُّ المفسدين‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 64‏]‏ ونحو ذلك من الكلمات، ويقال‏:‏ أذاهم الله وهو قولهم‏:‏ لله ولد ونحو ذلك‏.‏ وإيذاءهم رسوله أنهم زعموا أنه ساحر ومجنون ‏{‏لَعَنَهُمُ الله فِى الدنيا‏}‏ يعني‏:‏ عذبهم الله في الدنيا بالقتل والسبي ‏{‏والاخرة‏}‏ بالنار‏.‏ ويقال‏:‏ هم الذين يجعلون التصاوير‏.‏ ويقولون‏:‏ تخلق كما يخلق الله تعالى ‏{‏وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً‏}‏ يهانون فيه‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا‏}‏ يعني‏:‏ بغير جرم ‏{‏فَقَدِ احتملوا بهتانا‏}‏ يعني‏:‏ قالوا كذباً ‏{‏وَإِثْماً مُّبِيناً‏}‏ يعني‏:‏ ذنباً بيّناً‏.‏

قال مقاتل‏:‏ قال السدي‏:‏ نزلت هذه الآية في أمر عائشة وصفوان‏.‏ ويقال‏:‏ في جميع من يؤذي مسلماً بغير حق‏.‏ وقال عثمان لأبي بن كعب‏:‏ إني قرأت هذه الآية‏:‏ ‏{‏والذين يُؤْذُونَ المؤمنات‏}‏ فوقعت مني كل موقع، والله إني لأضربهم وأعاقبهم‏.‏ فقال له أبي‏:‏ إنك لست منهم، إنك مؤدب معلم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏مُّبِيناً يأَيُّهَا النبى قُل لازواجك وبناتك‏}‏ وذلك أن المهاجرين نزلوا في ديار الأنصار، فضاقت الدور عليهم‏.‏ وكن النساء يخرجن بالليل إلى التخلي يقضين حوائجهن‏.‏ كان الزناة يرصدون في الطريق، وكانوا يطلبون الولائد، ولم يعرفوا المرأة الحرة من الأمة بالليل‏.‏ فأمر الحرائر بأخذ الجلباب‏.‏ وقال الحسن‏:‏ كن النساء والإماء بالمدينة‏.‏ يقال لهن‏:‏ كذا وكذا يخرجن، فيتعرض لهن السفهاء فيؤذونهن، فكانت الحرة تخرج فيحسبون أنها أمة ويؤذونها، فأمر الله تعالى المؤمنات ‏{‏ءانٍ * يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن‏}‏‏.‏ وقال القتبي‏:‏ يلبسن الأردية‏.‏ ويقال‏:‏ يعني يرخين الجلابيب على وجوههن‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن‏}‏ يعني‏:‏ متجلببين ليعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى من قول ولا ريبة‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَنِسَاء المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ‏}‏ يعني‏:‏ أحرى ‏{‏فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً‏}‏ إذا تابوا ورجعوا، ثم وعد المنافقين وخوّفهم لينزجروا عن الحرائر أو الإماء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏60- 68‏]‏

‏{‏لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏60‏)‏ مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ‏(‏61‏)‏ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ‏(‏62‏)‏ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ‏(‏63‏)‏ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ‏(‏64‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏65‏)‏ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ‏(‏66‏)‏ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ‏(‏67‏)‏ رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ‏(‏68‏)‏‏}‏

فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون‏}‏ عن نفاقهم ‏{‏والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ‏}‏ يعني‏:‏ الميل إلى الزنى إن لم يتوبوا عن ذلك ‏{‏والمرجفون فِى المدينة‏}‏ يعني‏:‏ الذين يخبرون بالأراجيف‏.‏ وكانوا يخبرون المؤمنين بما يكرهون من عدوهم‏.‏ والأراجيف‏:‏ هي أول الاختيار‏.‏ وأصل الرجف هو الحركة‏.‏ فإذا وقع خبر الكذب فإنه يقع الحركة بالناس فسمي إرجافاً‏.‏ ويقال‏:‏ الأراجيف تلقح الفتنة‏.‏ يعني‏:‏ إن لم ينتهوا عن النفاق وعن الفجور وعن القول بالأراجيف‏.‏

‏{‏لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ لنسلطنك عليهم، ويقال‏:‏ لنحملنك على قتلهم‏.‏ وروى سفيان عن منصور بن زرين قال‏:‏ ‏{‏لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون والذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ والمرجفون فِى المدينة‏}‏ هذا كله شيء واحد‏.‏ يعني‏:‏ أنه نعتهم بأعمالهم الخبيثة‏.‏

‏{‏ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ يعني‏:‏ لا يساكنوك في المدينة إلا قليلاً حتى أهلكهم‏.‏ ويقال‏:‏ إلا جواراً قليلاً‏.‏ ويقال‏:‏ إلا قليلاً منهم‏.‏ وقال قتادة‏:‏ إن أناساً من المنافقين أرادوا أن يُظْهِرُوا نفاقهم فنزلت هذه الآية‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ‏}‏ يعني‏:‏ يجعلهم ملعونين أينما وجدوا‏.‏ فأوجب الله تعالى لهم اللعنة على كل حال أينما وجدوا وأدركوا ‏{‏أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً‏}‏ فلما سمعوا بالقتل، انتهوا عن ذلك‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏سُنَّةَ الله فِى الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ‏}‏ يعني‏:‏ سنة الله في الزناة القتل‏.‏ ويقال‏:‏ هذا سنة الله في الذين مضوا من قبل‏.‏ يعني‏:‏ الذين أضمروا النفاق بأن يسلط الله عليهم الأنبياء بالقتل ‏{‏سُنَّةَ الله‏}‏ ‏{‏وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً‏}‏ يعني‏:‏ مبدلاً ومغيراً‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يَسْئَلُكَ الناس عَنِ الساعة‏}‏ يعني‏:‏ عن قيام الساعة وذلك أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله‏:‏ متى الساعة‏؟‏ فقال عليه السلام‏:‏ «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»‏.‏ فنزل ‏{‏قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله‏}‏ يعني‏:‏ علم قيام الساعة عند الله ‏{‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً‏}‏ يعني‏:‏ سريعاً‏.‏ وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال‏:‏ من أشراط الساعة أن يفتح القول، ويحزن الفعل، وأن ترفع الأشرار، وتوضع الأخيار‏.‏ ومعنى يفتح الأقوال‏:‏ أن يقول أفعل غداً فإذا جاء غداً، خالف قوله وقت الفعل‏.‏ وأصل الفتح الابتداء، وهو أن يعد لأخيه عدة حسنة ثم يخالفه‏.‏ وقال عطاء بن أبي رباح‏:‏ من اقتراب الساعة مطر ولا نبات، وعلو أصوات الفساق في المساجد، وظهور أولاد الزِّنى، وموت الفجأة، وانبعاث الرويبضة يعني‏:‏ السفلة من الناس‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً‏}‏ ولم يقل قريبة، لأنها جعلت ظرفاً وبدلاً ولم تجعل نعتاً وصفة‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لَعَنَ الكافرين‏}‏ يعني‏:‏ خذلهم وطردهم من رحمته ‏{‏وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً‏}‏ يعني‏:‏ جهنم‏.‏

ويقال‏:‏ لعن الكافرين في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة أعد لهم سعيراً ‏{‏خالدين فِيهَا أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ قريباً ينفعهم ‏{‏وَلاَ نَصِيراً‏}‏ أي‏:‏ مانعاً يمنعهم من العذاب، والسعير في اللغة هو النار الموقدة‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النار‏}‏ يعني‏:‏ تحول‏.‏ يقول‏:‏ هذا العذاب في ‏{‏يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النار‏}‏ يعني‏:‏ تحول عن الحسن إلى القبح من حال البياض إلى حال السواد وزرقة الأعين‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏تَقَلُّبُ‏}‏ يعني‏:‏ تجدد كقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 56‏]‏ فيندمون على فعلهم ويوبخون أنفسهم ‏{‏يَقُولُونَ ياليتنا ياليتنا أَطَعْنَا الله‏}‏ فيما أمرنا ونهانا في دار الدنيا ‏{‏وَأَطَعْنَا الرسولا‏}‏ فيما دعانا إلى الحق ‏{‏وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا‏}‏ يعني‏:‏ قادتنا وأشرافنا وعظماءنا ‏{‏فَأَضَلُّونَا السبيلا‏}‏ يعني‏:‏ صرفونا عن طريق الإسلام‏.‏ ويقال‏:‏ أضللت الطريق وأضللته عن الطريق بمعنى واحد‏.‏ قرأ ابن عامر‏:‏ ساداتنا‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ سادتنا جمع سيد وساداتنا جمع الجمع‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب‏}‏ يعني‏:‏ زدهم واحمل عليهم‏.‏ يعني‏:‏ عذبهم وارفع عنا بعض العذاب، واحمل عليهم فإنهم هم الذين أضلونا ‏{‏والعنهم لَعْناً كَبِيراً‏}‏ قرأ عاصم وابن عامر في إحدى الروايتين ‏{‏كَبِيراً‏}‏ بالباء من الكبر والعظم يعني‏:‏ عذبهم عذاباً عظيماً‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏كَثِيراً‏}‏ من الكثرة، يعني‏:‏ عذبهم عذاباً كثيراً دائماً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏69- 73‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا ‏(‏69‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ‏(‏70‏)‏ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ‏(‏71‏)‏ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ‏(‏72‏)‏ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏73‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين ءاذَوْاْ موسى‏}‏ عليه السلام يعني‏:‏ لا تؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما آذى بنو إسرائيل موسى عليه السلام قال الفقيه أبو الليث رحمه الله‏:‏ أخبرني الثقة، بإسناده عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى سَوْأَةِ بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ‏.‏ فَقَالَ بَعْضُهُمْ‏:‏ والله مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلاّ أنَّهُ آدَرُ‏.‏ فَذَهَبَ مُوسَى مَرَّةً يَغْتَسِلُ‏.‏ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ‏.‏ فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ‏.‏ فَخَرَجَ مُوسَى بِأَثَرِهِ يَقُولُ‏:‏ حَجَرْ ثَوْبِي، حَجَرْ ثَوْبِي حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ إلَى سَوْأَةِ مُوسَى‏.‏ فَقَالُوا‏:‏ وَالله ما بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ‏.‏ فَقَامَ الحَجَرُ وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْباً»‏.‏ فقال أبو هريرة‏:‏ ستة أو سبعاً‏.‏ والله إن بالحجر لندباً سبعة بضرب موسى، وذلك قوله‏:‏ ‏{‏فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ‏}‏ ويقال‏:‏ إن موسى وهارون وابني هارون خرجوا فتوفي هارون في تلك الخرجة، فلما رجع موسى إلى قومه قالت السفهاء من بني إسرائيل لموسى‏:‏ أنت قتلت هارون‏.‏ فخرج موسى مع جماعة من بني إسرائيل‏.‏ فأحيا الله تعالى هارون عليه السلام فأخبر أنه لم يقتله أحد، وأنه مات بأجله فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ‏}‏ ‏{‏وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً‏}‏ يعني‏:‏ مكيناً وكان له جاه عنده منزلة وكرامة‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏مّسْتَقِيمٍ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله‏}‏ يعني‏:‏ أطيعوا الله واخشوا الله ‏{‏وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً‏}‏ يعني‏:‏ عدلاً صواباً فيما بينكم وهو قولهم ابن فلان فأمرهم أن ينسبوهم إلى آبائهم‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏قُولُوا قَوْلاً سَدِيداً‏}‏ يعني‏:‏ لا إله إلا الله‏.‏ ويقال‏:‏ قولاً مخلصاً ‏{‏يُصْلِحْ لَكُمْ أعمالكم‏}‏ يعني‏:‏ يقبل أعمالكم ‏{‏وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ‏}‏ في السر والعلانية ‏{‏فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً‏}‏ يعني‏:‏ نجى بالخير وأصاب نصيباً وافراً‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّا عَرَضْنَا الامانة عَلَى السموات والارض والجبال‏}‏ قال مجاهد‏:‏ لما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام عرض عليه الأمانة فحملها، فما كان بين أن حملها، وبين أن أخرج من الجنة، إلا كما بين الظهر والعصر‏.‏ وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال‏:‏ ‏{‏إِنَّا عَرَضْنَا الامانة‏}‏ يعني‏:‏ الفرائض على السموات والأرض والجبال‏.‏ فقال لهن‏:‏ يأخذن بما فيها‏.‏ فقلنا‏:‏ وما فيه يا رب‏؟‏ قال‏:‏ إن أحسنتن جوزيتن‏.‏ وإن أسأتن عوقبتن‏.‏ فقلن‏:‏ يا رب إن تعرضها علينا فلا نريد، وإن أمرتنا بها فنحن نجتهد‏.‏

وعرضت على الإنسان يعني‏:‏ آدم عليه السلام فقبلها وحملها‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هذا على وجه المثل إن لم تظهر الخيانة في الأمانة إلا من الإنسان‏.‏ فلم تظهر من السموات والأرض والجبال كما قال‏:‏ ‏{‏لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الامثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 21‏]‏ فكأنه يقول‏:‏ لو عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال لأبين حملها ‏{‏وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان‏}‏ يعني‏:‏ آدم وذريته ‏{‏إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً‏}‏ بالقبول‏.‏ وروي عن الحسن أنه قال‏:‏ عرض على السموات عرض تخيير لا عرض إيجاب‏.‏ فلذلك لم تعصِ بترك قبولها ويقال‏:‏ ‏{‏عَرَضْنَا الامانة عَلَى السموات‏}‏ يعني‏:‏ على ملائكة السموات والأرض والجبال‏.‏ كما قال‏:‏ ‏{‏واسئل القرية التى كُنَّا فِيهَا والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لصادقون‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 82‏]‏ يعني‏:‏ أهل القرية‏.‏ وقال السدي‏:‏ لما أراد أن يحج، عرض الأمانة يعني‏:‏ أمر ولده شِيث وقابيل وهابيل فعرض على قابيل الكخداذبية والائتمار، والقيام في شغل الدنيا، والعيش حتى يرجع هو من الحج إلى وطنه‏.‏ فقبله ثم خانه، فقتل أخاه‏.‏ وإنما كان عرض آدم بأمر الله تعالى فلذلك قال‏:‏ ‏{‏عَرَضْنَا‏}‏‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إن الله عز وجل لما استخلف آدم على ذريته، وسلّطه على جميع ما في الأرض من الأنعام والوحوش والطير، عهد إليه عهداً أمره فيه، ونهاه فقبله‏.‏ ولم يزل عاملاً به إلى أن حضرته الوفاة‏.‏ فسأل ربه أن يعلمه من يستخلف بعده، ويقلده الأمانة‏.‏ أن يعرض على السموات والأرض بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع، ومن العقاب إن عصى ‏{‏فَأبَيْنَ‏}‏ أن يقبلنها شفقاً من عذاب الله‏.‏ فأمره أن يعرض على الأرض والجبال فكلاهما أبيا، ثم أمره أن يعرض على ولده فقبل بالشرط إنه كان ظلوماً جهولاً لعاقبة ما تقلده يعني‏:‏ المتقبل الذي تقبله منه‏.‏

وروى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم قال‏:‏ ‏{‏الامانة‏}‏ ثلاث في الصلاة والصيام والجنابة‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏لّيُعَذّبَ الله المنافقين والمنافقات‏}‏ يعني‏:‏ عرضنا الأمانة على الإنسان لكي يعذب الله المنافقين والمنافقات ‏{‏والمشركين والمشركات‏}‏ بما خانوا الأمانة ‏{‏وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات‏}‏ بما أوفوا الأمانة ‏{‏وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً‏}‏ وكان صلة في الكلام يعني والله غفور لذنوب المؤمنين، رحيم بهم‏.‏ وروى سفيان عن عاصم، عن زر بن حبيش قال‏:‏ قال أبي بن كعب‏:‏ كانت سورة الأحزاب لتقارب سورة البقرة أو أطول منها، وكان فيها آية الرجم‏.‏ قلت‏:‏ يا أبا المنذر وما آية الرجم‏؟‏ فقال‏:‏ إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله العزيز الحكيم، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وسلم‏.‏

سورة سبأ

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ‏(‏1‏)‏ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏الحمد للَّهِ الذى لَهُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض‏}‏ من الخلق ‏{‏وَلَهُ الحمد فِى الاخرة‏}‏ يعني‏:‏ يحمده أهل الجنة‏.‏ ويقال‏:‏ يحمدونه في ستة مواضع‏.‏ أحدهما حين نودي ‏{‏وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 59‏]‏ فإذا تميز المؤمنون من الكافرين يقولون‏:‏ ‏{‏فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك فَقُلِ الحمد للَّهِ الذى نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 28‏]‏ كما قال نوح عليه السلام حين أنجاه الله عز وجل من قومه‏.‏ والثاني حين جازوا الصراط قالوا‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 34‏]‏‏.‏ والثالث لما دنوا إلى باب الجنة، واغتسلوا بماء الحيوان، ونظروا إلى الجنة، وقالوا‏:‏ ‏{‏وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الانهار وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لولا أَنْ هَدَانَا الله لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ونودوا أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 43‏]‏‏.‏ والرابع لما دخلوا الجنة استقبلتهم الملائكة عليهم السلام بالتحية فقالوا‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الارض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 74‏]‏ الآية‏.‏ والخامس حين استقروا في منازلهم وقالوا‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 34، 35‏]‏‏.‏ والسادس كلما فرغوا من الطعام قالوا‏:‏ ‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 1‏]‏‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إنها الذي استوجب الحمد في الآخرة كما استوجب الحمد في الدنيا‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الحكيم‏}‏ حين حكم بالبعث ‏{‏الخبير‏}‏ يعني‏:‏ العليم بهم‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ ما يدخل في الأرض من المطر والأموات والكنوز ‏{‏وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا‏}‏ من النبات والكنوز والأموات ‏{‏وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء‏}‏ من مطر أو وحي أو رزق أو مصيبة ‏{‏وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ يصعد إلى السماء من الملائكة وأعمال بني آدم ‏{‏وَهُوَ الرحيم‏}‏ بخلقه ‏{‏الغفور‏}‏ بستر الذنوب وتأخير العذاب عنهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 5‏]‏

‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ‏(‏3‏)‏ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ‏(‏4‏)‏ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة قُلْ بلى وَرَبّى‏}‏ قسم أقسم به يعني‏:‏ بلى والله‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالم الغيب‏}‏ قرأ ابن عامر ونافع ‏{‏عالم‏}‏ بالضم، جعله رفعاً بالابتداء‏.‏ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم‏:‏ ‏{‏عالم الغيب‏}‏ بكسر الميم وهو صفة لله تعالى‏.‏ وهو قوله‏:‏ ‏{‏الحمد للَّهِ‏}‏ ويقال‏:‏ ردّه إلى حرف القسم وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ بلى وَرَبّى * عالم‏}‏‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي ‏{‏عِلْمَ الغيب‏}‏ وهو على المبالغة في وصف الله عز وجل بالعلم‏.‏ ويقال‏:‏ من قرأ ‏{‏عالم الغيب‏}‏ بالضم فهو على المدح ومعناه‏:‏ هو ‏{‏عالم الغيب‏}‏‏.‏ ويقال‏:‏ هو على الابتداء وخبره ‏{‏لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ‏}‏ قرأ الكسائي‏:‏ ‏{‏لاَ يَعْزُبُ‏}‏ بكسر الواو‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالضم، ومعناهما واحد أي‏:‏ لا يغيب عنه ‏{‏مِثْقَالَ ذَرَّةٍ‏}‏ يعني‏:‏ وزن ذرة صغيرة‏.‏ والذرة النملة الصغيرة الحمراء‏.‏ ويقال‏:‏ التي ترى في شعاع الشمس ‏{‏فِي السموات وَلاَ فِى الارض وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ‏}‏ يعني‏:‏ قد بيّن الله عز وجل في اللوح المحفوظ ‏{‏لِيَجْزِىَ‏}‏ يعني‏:‏ لكي يثيب ‏{‏الذين كَفَرُواْ‏}‏ بأعمالهم في الدنيا ‏{‏وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ‏}‏ لذنوبهم ‏{‏وَرِزْقٌ كَرِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ ثواب حسن في الجنة‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏والذين سَعَوْاْ فِى ءاياتنا‏}‏ يعني‏:‏ عملوا في القرآن ‏{‏معاجزين‏}‏ يعني‏:‏ متسابقين ليسبق كل واحد منهم بالتكذيب قرأ أبو عمرو وابن كثير ‏{‏معاجزين‏}‏ أي‏:‏ مثبطين يثبطون الناس عن الإيمان بالقرآن و‏{‏أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ أَلِيمٌ‏}‏ قرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص ‏{‏أَلِيمٌ‏}‏ بضم الميم وكذلك في الجاثية جعلاه من نعت العذاب يعني‏:‏ عذاب أليم من رجز على معنى التقديم‏.‏ يعني‏:‏ عذاب شديد‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالكسر فيكون صفة للرجز يعني‏:‏ عذاب من العذاب الأليم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 9‏]‏

‏{‏وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ‏(‏6‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ‏(‏7‏)‏ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ ‏(‏8‏)‏ أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ‏(‏9‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَيَرَى الذين أُوتُواْ العلم‏}‏ يعني‏:‏ أي يعلم الذين أوتوا العلم‏.‏ وهذا روي في قراءة ابن مسعود‏:‏ يعني به مؤمني أهل الكتاب يعني‏:‏ إنهم يعلمون أن ‏{‏الذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏هُوَ الحق وَيَهْدِى‏}‏ يعني‏:‏ يدعو ويدل ‏{‏إلى صِرَاطِ العزيز الحميد‏}‏ يعني‏:‏ إلى طريق الرب العزيز بالنقمة لمن لم يجب الرسل الحميد في فعاله‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ كفار أهل مكة ‏{‏هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ‏}‏ يعني‏:‏ قال بعضهم لبعض هل ندلكم على رجل ‏{‏يُنَبّئُكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ يخبركم ‏{‏إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ‏}‏ يعني‏:‏ يخبركم أنكم إذا متم وتفرقتم في الأرض، وأكلتكم الأرض كل ممزق، يعني‏:‏ وكنتم تراباً ‏{‏إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ‏}‏ يعني‏:‏ بعد هذا كله صرتم خلقاً جديداً‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏افترى عَلَى الله كَذِبًا‏}‏ يعني‏:‏ قالوا‏:‏ إن الذي يقول إنكم لفي خلق جديد اختلق على الله كذباً ‏{‏أَم بِهِ جِنَّةٌ‏}‏ يعني‏:‏ به جنون‏.‏

يقول الله‏:‏ ‏{‏بَلِ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة‏}‏ هم كذبوا حين كذبوا بالبعث ‏{‏فِى العذاب والضلال البعيد‏}‏ يعني‏:‏ هم في العذاب في الآخرة‏.‏ والخطأ الطويل في الدنيا عن الحق‏.‏

ثم خوفهم ليعتبروا فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والارض‏}‏ لأن الإنسان حيثما نظر، رأى السماء والأرض‏.‏ قال قتادة‏:‏ إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك، أو بين يديك أو من خلفك رأيت السماء والأرض ‏{‏إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الارض‏}‏ يعني‏:‏ تغور بهم وتبتلعهم الأرض ‏{‏أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ السماء‏}‏ يعني‏:‏ جانباً من السماء‏.‏ قرأ حمزة والكسائي‏:‏ ‏{‏إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ‏}‏ أو يسقط الثلاثة كلها بالياء‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ كلها بالنون‏.‏ فمن قرأ بالياء‏:‏ فمعناه إن يشأ الله‏.‏ ومن قرأ بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً‏}‏ يعني‏:‏ لعبرة ‏{‏لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ‏}‏ يعني‏:‏ مقبل إلى طاعة الله عز وجل‏.‏ ويقال‏:‏ مخلص القلب بالتوحيد‏.‏ ويقال‏:‏ مشتاق إلى ربه‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ أفلم يعلموا أن الله خالقهم، وخالق السموات والأرض، وهو قادر على أن يخسف بهم إن لم يوحدوا ‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً‏}‏ أي‏:‏ لعلامة لوحدانيتي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 11‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ‏(‏10‏)‏ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُدُ مِنَّا فَضْلاً‏}‏ يعني‏:‏ أعطيناه النبوة والملك ‏{‏فَضْلاً ياجبال أَوّبِى مَعَهُ‏}‏ يعني‏:‏ سبحي مع داود‏.‏ وأصله في اللغة من الرجوع‏.‏ وإنما سمي التسبيح إياباً لأن المسبح مرة بعد مرة وقال القتبي‏:‏ أصله التأويب من السير، وهو أن يسير النهار كله، كأنه أراد أوبي النهار كله بالتسبيح إلى الليل‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏والطير‏}‏ وقرئ في الشاذ‏:‏ ‏{‏والطير‏}‏ بالضم‏.‏ وقراءة العامة بالنصب‏.‏ فمن قرأ بالضم‏:‏ فهو على وجهين‏.‏ أحدهما أن يكون نسقاً على أوبي، والمعنى يا جبال ارجعي بالتسبيح معه أنت والطير‏.‏ ويجوز أن يكون مرفوعاً على النداء والمعنى أيها الجبال وأيها الطير‏.‏ ومن قرأ بالنصب فلثلاث معانٍ أحدها لنزع الخافض ومعناه‏:‏ أوبي معه، ومع الطير‏.‏ والثاني أنه عطف على قوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُدُ مِنَّا فَضْلاً‏}‏ وآتيناه الطير يعني‏:‏ وسخرنا له الطير‏.‏ والثالث أن النداء إذا كان على أثره اسم، فكان الأول بغير الألف واللام، والثاني بالألف واللام، فإنه في الثاني بالخيار إن شاء نصبه، وإن شاء رفعه والنصب أكثر كما قال الشاعر

ألاَ يَا زَيْدُ والضَّحَّاكَ سِيْرَا *** فَقَدْ جَاوَزْتُمَا خَمرَ الطَّرِيقِ

ورفع زيداً لأنه نداء مفرد، ونصب الضحاك بإدخال الألف واللام‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأَلَنَّا لَهُ الحديد‏}‏ يعني‏:‏ جعلنا له الحديد مثل العجين ‏{‏أَنِ اعمل سابغات‏}‏ يعني‏:‏ قلنا له اعمل الدروع الواسعة‏.‏ وكان قبل ذلك صفائح الحديد مضروبة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَقَدّرْ فِى السرد‏}‏ قال السدي‏:‏ ‏{‏السرد‏}‏ المسامير التي في خلق الدرع‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏وَقَدّرْ فِى السرد‏}‏ أي‏:‏ لا تدق المسامير، فتقلقل في الحلقة، ولا تغلظها فتعصمها، واجعله قدراً بين ذلك‏.‏ وقال في رواية الكلبي هكذا‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هذا لا يصح لأن الدروع التي عملها داود عليه السلام وكانت بغير مسامير، لأنها كانت معجزة له‏.‏ ولو كان محتاجاً إلى المسمار لما كان بينه وبين غيره فرق‏.‏ وقد يوجد من بقايا تلك الدروع بغير مسامير، ولكن معنى قوله‏:‏ ‏{‏وَقَدّرْ فِى السرد‏}‏ أي‏:‏ قدر في نسخها وطولها وعرضها وضيقها وسعتها‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏قُدِرَ‏}‏ في تأليفه والسرد في اللغة تقدمة الشيء إلى الشيء‏.‏ يأتي منسقاً بعضه إلى أثر بعض، متتابعاً‏.‏ ويقال‏:‏ يسرد في الكلام إذا ذكره بالتأليف‏.‏ ومنه قيل لصانع الدروع‏:‏ سراد وزراد، تبدل من السين الزاي‏.‏ وروي عن عائشة أنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم أي‏:‏ لم يتابع في الحديث كتتابعكم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏واعملوا صالحا‏}‏ يعني‏:‏ أدوا فرائضي وقد خاطبه بلفظ الجماعة كما قال‏:‏ ‏{‏ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 51‏]‏ وأراد به النبي صلى الله عليه وسلم خاصة‏.‏ ويقال‏:‏ إنه أراد به داود وقومه ‏{‏إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ يعني‏:‏ عالم

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 14‏]‏

‏{‏وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ‏(‏12‏)‏ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ‏(‏13‏)‏ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولسليمان الريح‏}‏ قرأ عاصم في رواية أبي بكر ‏{‏الريح‏}‏ بالضم وقرأ الباقون بالنصب‏.‏ فمن قرأ بالنصب فمعناه‏:‏ ‏{‏وَسَخَّرْنَا لسليمان الريح‏}‏ كما اتفقوا في سورة الأنبياء ‏{‏ولسليمان الريح‏}‏ تكون رفعاً على معنى الخبر‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏الريح غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ‏}‏ تسير به الريح عند الغداة مسيرة شهر فتحمله مع جنوده من بيت المقدس إلى اصطخر‏.‏ ‏{‏وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ‏}‏ يعني‏:‏ تسير به عند آخر النهار مسيرة شهر من اصطخر إلى بيت المقدس، واصطخر عند بلاد فارس‏.‏ ‏{‏وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر‏}‏ يعني‏:‏ أجرينا له عين الصفر المذاب‏.‏ يقال‏:‏ تسيل له في كل شهر ثلاثة أيام يعمل بها ما أحب‏.‏ وروى سفيان عن الأعمش قال‏:‏ سيلت له كما سيل الماء ويقال جرى له عين النحاس في اليمن‏.‏ وقال شهر بن حوشب‏:‏ جرى له عين النحاس من صنعاء ‏{‏وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏ يعني‏:‏ وسخرنا لسليمان ‏{‏مّن الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ‏}‏ ‏{‏بِإِذْنِ رَبّهِ‏}‏ يعني‏:‏ بأمر ربه ‏{‏وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا‏}‏ يعني‏:‏ من يعصِ سليمان فيما أمره ‏{‏نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير‏}‏ قال بعضهم‏:‏ كان معه ملك، ومعه سوط من عذاب السعير‏.‏ فإذا خالف سليمان أحد الشياطين ضربه بذلك السوط‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ يعني به عذاب الوقود في الآخرة‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء‏}‏ يعني‏:‏ ما يشاء سليمان ‏{‏مِن محاريب‏}‏ يعني‏:‏ المساجد‏.‏ ويقال‏:‏ الغرف‏.‏ ‏{‏وتماثيل‏}‏ يعني‏:‏ على صور الرجال من الصفر والنحاس لأجل الهيبة في الحرب وغيره‏.‏ ويقال‏:‏ ويجعلون صوراً للأنبياء ليستزيد الناس رغبة في الإسلام‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَجِفَانٍ كالجواب‏}‏ يعني‏:‏ قصاعاً كالحياض الكبيرة‏.‏ ويجلس على القصعة الواحدة ألف رجل أو أقل أو أكثر‏.‏ الجابية في اللغة‏:‏ الحوض الكبير وجماعته جواب‏.‏ قرأ ابن كثير‏:‏ كالجوابي بالياء في الوقف والوصل جميعاً‏.‏ وقرأ أبو عمرو‏:‏ وبالياء في الوصل والباقون‏:‏ بغير ياء‏.‏ فمن قرأ بالياء فلأنه الأصل ومن حذف فلاكتفائه بكسر الياء‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏كالجواب وَقُدُورٍ رسيات‏}‏ يعني‏:‏ ثابتات في الأرض لا تزول من مكانها، وكان يتخذ القدور من الجبال‏.‏ قال مقاتل‏:‏ كان ملكه ما بين مصر وبابل‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ جميع الأرض‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏اعملوا ءالَ دَاوُدُ شاكرا‏}‏ يعني‏:‏ يا آل داود لما أعطيتكم من الفضل‏.‏ ويقال‏:‏ معناه اعملوا عملاً تؤدوا بذلك شكر نعمتي ‏{‏وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور‏}‏ والشكور هو المبالغة في الشكر‏.‏ وهو من كان عادته الشكر في الأحوال كلها‏.‏ ومثل هذا في الناس قليل‏.‏ وهذا معنى قوله‏:‏ ‏{‏وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور‏}‏ وروي عن أبي العالية أنه قال هو شكر الشكر يعني‏:‏ إذا شكر النعمة يعلم أن ذلك الشكر بتوفيق الله عز وجل‏.‏

ويشكر لذلك الشكر، وهذا في الناس قليل‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت‏}‏ يعني‏:‏ على سليمان عليه الصلاة والسلام فكان سليمان يبني في بيت المقدس، فرأى أن ذلك لا يتم إلا بالجن‏.‏ فأمرهم بالعمل وقال لأهله‏:‏ لا تخبروهم بموتي‏.‏ فكان قائماً في الصلاة، متكئاً على عصاه، وكان سليمان عليه الصلاة والسلام يطول الصلاة‏.‏ فكان الجن إذا حضروا، رأوه قائماً فرجعوا ويقولون‏:‏ إنه قائم يصلي فيقبلون على أعمالهم‏.‏

وروى إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال‏:‏ كان سليمان عليه السلام إذا مرّ بشجرة يعني‏:‏ بشيء من نبات الأرض قال لها‏:‏ ما شأنك‏؟‏ فتخبره الشجرة أنها كذا وكذا، ولمنفعة كذا وكذا، فيدفعها إلى الناس حتى ينتفعوا بها‏.‏ فمر بشجرة فقال لها‏:‏ ما اسمك يا شجرة‏؟‏ فقالت‏:‏ أنا خرنوبة‏.‏ فقال‏:‏ ما شأنك‏؟‏ قالت‏:‏ أنا لخراب المسجد‏.‏ فتعصى سليمان منها عصا، فكانت الجن يقولون للإنس‏:‏ إنا نعلم الغيب‏.‏ وإن سليمان سأل الله عز وجل أن يخفي موته‏.‏ فلما قضى الله عز وجل على سليمان الموت لم تدر الجن ولا الإنس ولا أحد كيف مات، ولم يطلع أحد على موته‏.‏ والجن تعمل بأشد ما كانوا عليه، حتى خرّ سليمان عليه السلام فنظروا كيف مات فلم يدروا، فنظروا إلى العصا فرأوا العصا قد أكلت يعني‏:‏ قد أكل منها، وفي العصا أرضة‏.‏ فنظروا إلى أين أكلت الأرضة من العصا‏.‏ فجعلوه علماً، ثم ردوا الأرضة فيها فأكلت شهراً، ثم نظروا كم أكلت في ذلك الشهر، ثم قاسوها بما أكلت من قبل‏.‏ فكان لموته اثنا عشر شهراً‏.‏ فتبيّن للجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين‏.‏ فقالت الجن‏:‏ إن لها علينا حقاً‏.‏ يعني‏:‏ الأرضة فهم يبلغونها الماء فلا يزال لها طينة رطبة فذلك قوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت‏}‏ ‏{‏مَا دَلَّهُمْ على مَوْتِهِ‏}‏ يعني‏:‏ ما دلّ على موت سليمان ‏{‏إِلاَّ دَابَّةُ الاْرْضِ‏}‏ يعني‏:‏ الأرضة ‏{‏تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ‏}‏ يعني‏:‏ عصاه‏.‏ قرأ نافع وأبو عمرو ‏{‏مِنسَأَتَهُ‏}‏ بلا همز‏.‏ وقرأ الباقون بالهمز‏.‏ فمن قرأ بالهمز فهو من نسأ ينسأ إذا زجر الدابة، ثم تسمى عصاه منسأة لأنه يزجر بها الدَّابَة‏.‏ ومن قرأ بغير همز فقد حذف الهمزة للتخفيف وكلاهما جائز

‏{‏فَلَمَّا خَرَّ‏}‏ يعني‏:‏ سقط عليه السلام ‏{‏تَبَيَّنَتِ الجن‏}‏ علم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏تَبَيَّنَتِ الجن‏}‏ يعني‏:‏ ظهر لهم‏:‏ أنهم لو علموا الغيب يعني‏:‏ ‏{‏أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب مَا لَبِثُواْ فِى العذاب المهين‏}‏ فتفرقوا عن ذلك‏.‏ قرأ حمزة‏:‏ ‏{‏مّنْ عِبَادِىَ الشكور‏}‏ بسكون الياء‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالنصب وهما لغتان وكلاهما جائز‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 17‏]‏

‏{‏لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ‏(‏15‏)‏ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ‏(‏16‏)‏ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ‏}‏ قرئ بالنصب والكسر‏.‏ وقد ذكرناه من قبل‏.‏ فمن قرأ بالكسر والتنوين جعله اسم أب القبيلة ومن قرأ بالنصب جعله أرضاً والأول أشبه‏.‏ لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن سبأ‏.‏ فقال‏:‏ «هُوَ اسمُ رَجُلٍ»‏.‏ ويقال‏:‏ هو سبأ بن يشخب بن يغرب بن قحطان‏.‏ وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ هي من قرى اليمن بعث عز وجل ثلاثة عشر نبياً عليهم السلام إلى ثلاث عشر قرية باليمن اتبع بعضهم بعضاً، حتى اجتمعت الرسل في آل سبأ‏.‏ وقرية أخرى، فأتوهم فذكروهم نعم الله عز وجل وخوفوهم عقابه‏.‏ وروى أسباط عن السدي قال‏:‏ كانت أرضهم أرضاً خصيبة، وكانت المرأة تخرج على رأسها مكتلاً فلا ترجع حتى تملأ مكتلها من أنواع الفاكهة من غير أن تمد يدها، وكان الماء يأتيهم من مسيرة عشرة أيام حتى يحبس بين جبلين، وكانوا قد ردموا ردماً بين جبلين فحبسوا الماء، وكان يأتيهم من السيول فيسقون بساتينهم وأشجارهم‏.‏ ويقال‏:‏ كان لهم وادي‏.‏ وكان للوادي ثلاث درفات‏.‏ فإذا كثر الماء فتحوا الدرفة العليا، وإذا انتقص فتحوا الدرفة الوسطى، وإذا قلّ الماء فتحوا الدرفة السفلى‏.‏ فأخصبوا، وكثرت أموالهم، واتخذوا من الجنان ما شاؤوا‏.‏ فلما أحبوا ذلك وكذبوا رسلهم، بعث الله عز وجل عليهم جرذاً، فنقب ذلك الردم بجنب بستان رجل منهم يقال له عمران بن عامر وهو أب الأنصار والأزد وغسان وخزاعة ويسمون المنسأة العرم، فدخل البستان فإذا هو ينقب العرم وقد سال فأمر به فسد ثم نظر إلى الجرزة تنقل أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه‏.‏ وكان كاهناً فقال‏:‏ ما تنقل هذه الجرزة أولادها من أصل الجبل إلى أعلاه إلا وقد حضر هلاك هذه البلدة‏.‏ فدعى ابن أخ له فقال‏:‏ إذا رأيتني جلست في جماعة قومي فائتني‏.‏ فقل‏:‏ أي عم أعطني ميراثي من أبي‏.‏ فإني سأقول‏:‏ وهل ترك أبوك شيئاً‏؟‏ فأردد علي وكذبني‏.‏ فإذا كذبتني فإني سألطمك فالطمني‏.‏ فقال‏:‏ أي عم ما كنت لأفعل هذا بك‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ فلما رأى لعمه في ذلك هوًى‏.‏ قال‏:‏ أفعل ما تأمرني، ففعل‏.‏ فقال عمران بن عامر‏:‏ لله علي كذا وكذا أن أسكن هذه البلاد من يشتري ما لي‏.‏ فلما عرفوا منه الجد قال هذا‏:‏ أعطيك كذا‏.‏ فنظر إلى أجودهم صفقة‏.‏ فقال‏:‏ عجل إليَّ مالي فقد حلفت أن لا أبيت بها، فعجل إليه ماله، وارتحل من يومه حتى شخص عنهم، فاتسع ذلك الخرق حتى انهدم وغرق بلادهم، وتفرقوا في البلدان‏.‏ فذلك قوله‏:‏ ‏{‏لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ‏}‏ ‏{‏فِى مَسْكَنِهِمْ‏}‏ قرأ الكسائي‏:‏ ‏{‏فِى مَسْكَنِهِمْ‏}‏ بكسر الكاف والنون‏.‏

وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص‏:‏ ‏{‏مَسْكَنِهِمْ‏}‏ بنصب الكاف وكسر النون‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏مساكنهم‏}‏ بالألف‏.‏ والمسكن بنصب الكاف وكسره واحد وهما لغتان مثل مطلع ومطلع‏.‏ والمساكين جمع مسكين‏.‏

وقد قيل‏:‏ المسكن جمع المساكين لقد كان في منازلهم وقرياتهم ‏{‏ءايَةً‏}‏ أي‏:‏ علامة ظاهرة لوحدانيتي ‏{‏جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ‏}‏ يعني‏:‏ بستانان عن يمين الوادي، وعن شماله‏.‏ وإنما أراد بالبستان البساتين‏.‏ ويقال‏:‏ بساتين عن يمين الطريق، وبساتين عن شماله‏.‏ فأرسل الله تعالى إليهم الرسل فذكروهم النعم فقيل لهم ‏{‏كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ من فضل ربكم ‏{‏واشكروا لَهُ‏}‏ فيما رزقكم ‏{‏بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ هذه بلدة طيبة لينة بلا سبخة ‏{‏وَرَبٌّ غَفُورٌ‏}‏ لمن تاب من الشرك ‏{‏فَأَعْرِضُواْ‏}‏ عن الإيمان‏.‏ وقالوا‏:‏ من ذا الذي يأخذ منا النعم ‏{‏فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم‏}‏ والعرم هو اسم لذلك الوادي‏.‏ ويقال‏:‏ اسم للمنشأة‏.‏ ويقال‏:‏ هو اسم للفأرة التي قرضت النهر حتى سال عليهم الماء‏.‏ وجرى في بساتينهم وفي بيوتهم فخربها، وندت أنعامهم، وأخذ كل واحد منهم بيد ولده وامرأته، فصعدوا بهم الجبل فذلك قوله تعالى ‏{‏وبدلناهم بجناتهم جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ‏}‏ يعني‏:‏ أبدلهم الله تعالى مكان الفاكهة ذواتي أكل خمط أي الأراك ‏{‏وَأَثْلٍ‏}‏ يعني‏:‏ الطرفاء ‏{‏وَشَئ مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ‏}‏ والسدر كانوا يستظلون في ظله، ويأكلون من ثمره‏.‏ قرأ أبو عمرو‏:‏ ‏{‏أَكَلَ‏}‏ بكسر اللام بغير تنوين‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالتنوين فمن قرأ بالتنوين أراد ‏{‏ذَوَاتَىْ‏}‏ ثمر يؤكل ثم قال‏:‏ ‏{‏خَمْطٍ‏}‏ بدلاً من أكل‏.‏ والمعنى‏:‏ ذواتي خمط وأكله ثمرة‏.‏ ومن قرأ‏:‏ بغير تنوين أضاف الأكل إلى الخمط‏.‏ والخمط هو الأراك في اللغة المعروفة‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ كل نبت أخذ طعماً من مرارة، حتى لا يمكن أكله فهو خمط‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏ذلك جزيناهم‏}‏ يعني‏:‏ ذلك الذي أصابهم عقوبة لهم عاقبناهم ‏{‏بِمَا كَفَرُواْ‏}‏ أي‏:‏ بكفرهم ‏{‏وَهَلْ * نُجْزِى إِلاَّ الكفور‏}‏ يعني‏:‏ وهل يعاقب بمثل هذه العقوبة إلا الكفور بنعمة الله تعالى‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏الكفور‏}‏ الكافر‏.‏ قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص‏:‏ ‏{‏وَهَلْ‏}‏ بالنون وكسر الزاي ‏{‏نُجْزِى إِلاَّ الكفور‏}‏ بالنصب‏.‏ وقرأ الباقون ‏{‏يجازي‏}‏ بالياء وفتح الزاي ‏{‏نُجْزِى إِلاَّ الكفور‏}‏ بالضم‏.‏ فمن قرأ بالنون فهو على معنى الإضافة إلى نفسه‏.‏ والكفور ينصب لوقوع الفعل عليه‏.‏ ومن قرأ ‏{‏يجازى‏}‏ بالياء فهو على فعل ما لم يسم فاعله‏.‏ يعني‏:‏ هل يعاقب بمثل هذه العقوبة إلا الكفور بنعمة الله تعالى‏.‏ ويقال‏:‏ هل يجازي الله‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ أن المؤمن من يكفر عنه السيئات بالحسنات، وأما الكافر فإنه يحبط عمله كله، فيجازى بكل سوء يعمله كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله أَضَلَّ أعمالهم‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 1‏]‏ أي‏:‏ أبطل أعمالهم وأحبطها، فلم ينفعهم منها شيء وهذا معنى قوله‏:‏ ‏{‏وَهَلْ * نُجْزِى إِلاَّ الكفور‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 21‏]‏

‏{‏وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ ‏(‏18‏)‏ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ‏(‏19‏)‏ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏20‏)‏ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ‏(‏21‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا‏}‏ قال في رواية الكلبي‏:‏ إنهم قالوا للرسل‏:‏ إنا قد عرفنا نعمة الله علينا، فوالله لئن يرد الله فيئتنا وجماعتنا، والذي كنا عليه، لنعبدنه عبادة لم يعبدها إياه قوم قط‏.‏ فدعت لهم الرسل ربهم فرد الله لهم ما كانوا عليه‏.‏ وأتاهم نعمة وجعل لهم من أرضهم إلى أرض الشام قرى متصلة بعضها إلى بعض، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا‏}‏ ‏{‏قُرًى ظاهرة‏}‏ ثم عادوا إلى الكفر فأتاهم الرسل فذكروهم نعمة الله فكذبوهم فمزقهم الله كل ممزق‏.‏ وقال غيره‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا‏}‏ هذا حكاية عما كانوا فيه من قبل أن يرسل عليهم سيل العرم قرى ظاهرة يعني‏:‏ متصلة على الطريق من حيث يرى بعضها من بعض ‏{‏وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير‏}‏ للمبيت والمعيل من قرية إلى قرية ‏{‏سِيرُواْ فِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ ليسيروا فيها‏.‏ اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الشرط والجزاء‏.‏ فلم يشكروا ربهم، فسألوا ربهم أن تكون القرى والمنازل بعضها أبعد من بعض‏.‏

‏{‏وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ * فَقَالُواْ رَبَّنَا باعد بَيْنَ أَسْفَارِنَا‏}‏ وقد كانوا في قراهم آمنين منعّمين فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ‏}‏ يعني‏:‏ أنهم كانوا يسيرون من قرية إلى قرية بالليل والنهار، آمنين من الجوع، والعطش، واللصوص، والسباع‏.‏ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ‏{‏بَعْدَ‏}‏ بغير ألف وتشديد العين‏.‏ وقرأ الباقون ‏{‏باعد‏}‏ بالألف وهما لغتان بَعّدَ باعد‏.‏ وقرأ يعقوب الخضرمي وكان من أهل البصرة ‏{‏رَبَّنَا‏}‏ بضم الباء ‏{‏باعد‏}‏ بنصب العين وهو على معنى الخبر‏.‏

وروى الكلبي عن أبي صالح أنه قرأ هكذا معناه ‏{‏رَبَّنَا باعد بَيْنَ أَسْفَارِنَا‏}‏ فلذلك لا ينصب‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ‏}‏ بالشرك وتكذيب الأنبياء ‏{‏فجعلناهم أَحَادِيثَ‏}‏ يعني‏:‏ أهلكهم الله تعالى فصاروا أحاديث للناس يتحدثون في أمرهم وشأنهم لم يبق أحد منهم في تلك القرى ‏{‏ومزقناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ‏}‏ أي‏:‏ فرقناهم في كل وجه، فألقى الله الأزد بعمان، والأوس والخزرج بالمدينة، وهما أخوان وأهل المدينة كانوا من أولادهما إحدى القبيلتين الخزرج والأخرى الأوس، فسموا باسم أبيهم‏.‏ وخزاعة بمكة كانوا بنو خزاعة، منهم لخم وجذام بالشام‏.‏ ويقال كلب وغسان ‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَاتٍ‏}‏ أي‏:‏ في هلاكهم وتفريقهم لعبرات ‏{‏لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ‏}‏ يعني‏:‏ للمؤمنين الذين صبروا على طاعة الله تعالى، وشكروا نعمته‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ‏}‏ يعني‏:‏ على أهل سبأ‏.‏ ويقال‏:‏ هذا ابتداء‏.‏ يعني‏:‏ جميع الكفار وذلك أن إبليس قد قال‏:‏ ‏{‏قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين‏}‏

‏[‏ص‏:‏ 82، 83‏]‏ فكان ذلك ظناً منه فصدق ظنه ‏{‏فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً‏}‏ يعني‏:‏ طائفة ‏{‏مِنَ المؤمنين‏}‏ وهم الذين قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 42‏]‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ كان ظنه أنه قال‏:‏ أنا ناري وآدم طيني والنار تأكل الطين‏.‏ وكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ صَدَّقَ‏}‏ بالتخفيف يعني‏:‏ صدق في ظنه‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏صَدَقَ‏}‏ بالتشديد‏.‏ يعني‏:‏ صار ظنه صدقاً‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان‏}‏ يعني‏:‏ لم يكن له عليهم ملك فيقهرهم‏.‏ ويقال‏:‏ يعني ما سلطناه عليهم إلا لنختبرهم من الذي يطيعنا‏.‏ وقال الحسن البصري رحمه الله‏:‏ والله ما ضربهم بعصا، ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غروراً وأماني دعاهم إليها فأجابوه‏.‏ وقال قتادة‏:‏ والله ما كان ظنه إلا ظناً، فنزل الناس عند ظنه‏.‏ وقال معمر‏:‏ قال لي مقاتل‏:‏ إن إبليس لما أنزل آدم عليه السلام ظن أن في ذريته من سيكون أضعف منه‏.‏ فصدق عليهم ظنه‏.‏ فإن قيل في آية أخرى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 100‏]‏ وهاهنا يقول‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان‏}‏ قيل له‏:‏ أراد بالسلطان هناك الحجة يعني‏:‏ إنما حجته على الذين يتولونه‏.‏ وهاهنا أراد به الملك والقهر يعني‏:‏ لم يكن له عليهم ملك يقهرهم به‏.‏ ويقال‏:‏ معنى الآيتين واحد‏.‏ لأن هناك قال‏:‏ إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا‏.‏ وهاهنا قال‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان‏}‏ يعني‏:‏ حجة على فريق من المؤمنين إلا بالتزيين والوسوسة منه‏.‏

‏{‏إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالاخرة مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ‏}‏ يعني‏:‏ نميز من يصدق بالبعث ممن هو في شك‏.‏ يعني‏:‏ من قيام الساعة‏.‏ وقال القتبي‏:‏ علم الله نوعان‏:‏ أحدهما علم ما يكون من إيمان المؤمنين‏.‏ وكفر الكافرين من قبل أن يكون‏.‏ وهذا علم لا يجب به حجة، ولا عقوبة، والآخر علم الأمور الظاهرة‏.‏ فيحق به القول، ويقع بوقوعها الجزاء‏.‏ يعني‏:‏ ما سلطانه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمنين ظاهراً موجوداً، وكفر الكافرين ظاهراً موجوداً‏.‏ وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 142‏]‏ الآية‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شَئ حَفُيظٌ‏}‏ يعني‏:‏ عالماً بالشك واليقين‏.‏ ويقال‏:‏ عالم بقولهم‏.‏ ويقال‏:‏ عالم بما يكون منهم قبل كونه‏.‏ ويقال‏:‏ حفيظ يحفظ أعمالهم ليجازيهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 23‏]‏

‏{‏قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ‏(‏22‏)‏ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ‏(‏23‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم‏}‏ يعني‏:‏ قل لكفار مكة ‏{‏أَدْعُو الذين زَعَمْتُمْ‏}‏ ‏{‏مِن دُونِ الله‏}‏ أنهم آلهة فيكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم من الجوع‏.‏ يعني‏:‏ الأصنام‏.‏ ويقال‏:‏ الملائكة عليهم السلام‏.‏ ‏{‏لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ‏}‏ يعني‏:‏ نملة صغيرة ‏{‏فِي السموات وَلاَ فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ إذا كان حالهم هذا، فمن أين جعلوا لهم الشركة في العبادة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ‏}‏ يعني‏:‏ في خلق السموات والأرض من عون‏.‏ ويقال‏:‏ ما لهم فيها من نصيب ‏{‏وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ‏}‏ يعني‏:‏ معين من الملائكة الذين يعبدونهم‏.‏

ثم ذكر أن الملائكة لا يملكون شيئاً من الشفاعة فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ‏}‏ يعني‏:‏ لا تنفع لأحد لا نبياً ولا ملكاً ‏{‏إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ أن يشفع لأحد من أهل التوحيد‏.‏ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر في إحدى الروايتين، ‏{‏إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ‏}‏ بالنصب‏.‏ يعني‏:‏ حتى يأذن الله عز وجل له‏.‏ قرأ الباقون‏.‏ بالضم على فعل ما لم يسم فاعله‏.‏ ومعناه‏:‏ مثل الأول‏.‏

ثم أخبر عن خوف الملائكة أنهم إذا سمعوا الوحي خرّوا سجداً من مخافة الله عز وجل، وكيف يعبدون من هذه حاله وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ‏}‏ وذلك أن أهل السموات لم يكونوا سمعوا صوت الوحي بين عيسى ومحمد عليهما السلام، فسمعوا صوتاً كوقع الحديد على الصفا فخروا سجداً مخافة القيامة وذلك صوت الوحي‏.‏ ويقال‏:‏ صوت نزول جبريل عليه السلام فخروا سجداً مخافة القيامة فهبط جبريل عليه السلام على أهل كل سماء فذلك قوله‏:‏ ‏{‏حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ‏}‏‏.‏ وذكر عن بعض أهل اللغة أنه قال‏:‏ إذا كانت حتى موصولة بإذا تكون بمعنى لما، تقع موقع الابتداء كقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ‏}‏ / ‏[‏الحجر‏:‏ 14‏]‏ كقوله‏:‏ ‏{‏حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 96‏]‏ ‏{‏وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الحق وَهُوَ العلى الكبير‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 23‏]‏ يعني‏:‏ لما فزع عن قلوبهم‏.‏ ومعناه‏:‏ انجلاء الفزع عن قلوبهم، فقاموا عن السجود، وسأل بعضهم بعضاً ‏{‏قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ ماذا قال جبريل عليه السلام عن ربكم ‏{‏قَالُواْ الحق‏}‏ يعني‏:‏ الوحي‏.‏

قال‏:‏ حدّثنا الفقيه أبو الليث رحمه الله‏.‏ قال‏:‏ حدّثنا الخليل بن أحمد‏.‏ قال‏:‏ حدّثنا الدبيلي‏.‏ قال‏:‏ حدّثنا أبو عبد الله‏.‏ قال‏:‏ حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏

«إذَا قَضَى الله فِي السَّمَاءِ أمْراً ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَضَعَاناً لِقَوْلِهِ، وَسُمِعَ لذلك صَوْتٌ كَأنَّهَا سلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ‏{‏قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ‏}‏ ‏{‏قَالُواْ الحق‏}‏ الَّذِي قَالَ‏:‏ فَسِيحي الشَّيَاطِينُ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ‏.‏ فَإِذَا سَمِعَ الأَعْلَى مِنْهُمُ الْكَلِمَةَ، رَمَى بِهَا إلَى الذي تَحْتَهُ وَرُبَّما أدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أنْ يَنْبِذَهَا وَرُبَّمَا نَبَذَهَا قَبْلَ أنْ تُدْرِكَهُ، فَيَنْبِذَهَا، بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى الأرْضِ، فَتُلْقَى عَلَى لِسَانِ الْكَاهِنِ وَالسَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ، فَيُصَدِّقُ فَيَقُولُ، ألَيْسَ قَدْ أخْبَرَ بِكَذَا وَكَذَا، وَكَانَ حَقّاً وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ» قرأ ابن عامر ‏{‏حتى إِذَا فُزّعَ‏}‏ بنصب الفاء والزاي يعني‏:‏ كشف الله الفزع‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بضم الفاء على معنى ما لم يسم فاعله‏.‏ وقرأ الحسن ‏{‏حتى إِذَا فُزّعَ‏}‏ بالواو والغين يعني‏:‏ فرغ الفزع عن قلوبهم‏.‏ وقراءة العامة بالزاي أي خفف عنها الفزع‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ معناه حتى إذا كشف عنها الغطاء يوم القيامة ثم قال ‏{‏وَهُوَ العلى الكبير‏}‏ يعني‏:‏ هو أعلى وأعظم وأجلّ من أن يوصف له شريك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 30‏]‏

‏{‏قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏24‏)‏ قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏25‏)‏ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ ‏(‏26‏)‏ قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏27‏)‏ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏28‏)‏ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏29‏)‏ قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ ‏(‏30‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السموات والارض‏}‏ يعني‏:‏ المطر والنبات فإن أجابوك وإلا ‏{‏قُلِ الله‏}‏ يعني‏:‏ الله يرزقكم من السموات والأرض ‏{‏وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ قل لهم أحدنا ‏{‏لعلى هُدًى‏}‏ والأخرى على الضلال‏.‏ يعني‏:‏ إنا على الهدى وأنتم على الضلالة وهذا كرجل يقول لآخر‏:‏ أحدنا كاذب وهو يعلم أنه أراد به صاحبه‏.‏ ويقال‏:‏ في الآية تقديم يعني‏:‏ وإنا على الهدى وإياكم ‏{‏أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏قُل لاَّ تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا‏}‏ يعني‏:‏ لا تسألون عن جرم أعمالنا ‏{‏وَلاَ نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لا نسأل عن جرم أعمالكم‏.‏ ويقال‏:‏ لا تأخذون بجرمنا، ولا نؤخذ بجرمكم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا‏}‏ يعني‏:‏ يوم القيامة نحن وأنتم ‏{‏ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بالحق‏}‏ يعني‏:‏ بالعدل ‏{‏وَهُوَ الفتاح العليم‏}‏ القابض العليم بما يقضي ‏{‏قُلْ أَرُونِىَ الذين أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاء‏}‏ أروني آلهتكم الذين تعبدون من دون الله، وتزعمون أنها له شركاء‏.‏ أي‏:‏ ماذا خلقوا في السموات والأرض من الخلق ‏{‏كَلاَّ‏}‏ يعني‏:‏ ما خلقوا شيئاً ‏{‏بَلْ هُوَ الله‏}‏ خالق كل شيء ‏{‏العزيز‏}‏ في ملكه ‏{‏الحكيم‏}‏ في أمره‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ‏}‏ أي‏:‏ عامة للناس ‏{‏بَشِيراً‏}‏‏.‏ وروى خالد الحذاء عن قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «أُعْطَيْتُ خَمْساً لَمْ يعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي‏.‏ بُعِثْتُ إلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ فَلْيْسَ أحَدٌ مِنْ أحْمَرَ وَأسْوَدَ يَدْخُلُ فِي أُمَّتِي إلاَّ كَانَ مِنْهُمْ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ أَمَامِي مَسِيرَةَ شَهْرٍ‏.‏ وَجُعِلْتُ فَاتِحاً وَخَاتِماً‏.‏ وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، أيْنَمَا أدْرَكَتْنَا الصَّلاةَ صَلَيْنَا، وَإنْ لَمْ نَجِدْ مَاءً تَيَمَّمْنَا وَأُطْعِمْنَا غَنَائِمَنَا وَلَمْ يطْعَمْهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلَنَا كَانَتْ قُرْبَانُهُمْ تَأْكُلُهُ النَّارُ»‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏بَشِيراً وَنَذِيراً‏}‏ يعني‏:‏ بشيراً بالجنة لمن أطاعه، ونذيراً بالنار لمن عصاه ‏{‏ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لا يصدقون بالجنة ولا بالنار ‏{‏وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد‏}‏ يعني‏:‏ البعث ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ يعني‏:‏ إن كنت صادقاً‏.‏ ويقال‏:‏ إن كنت رسول الله‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُل لَّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ‏}‏ يعني‏:‏ ميقاتاً في العذاب‏.‏ ويقال‏:‏ ميعاداً في البعث والعذاب ‏{‏لاَّ تَسْتَئَخِرُونَ عَنْهُ‏}‏ يعني‏:‏ عن الميعاد والعذاب ‏{‏سَاعَةِ‏}‏ يعني‏:‏ قدر ساعة ‏{‏وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ‏}‏ قبل الأجل‏.‏ ويقال‏:‏ معناه أنا قادر اليوم على عذابهم، ولكن أؤخرهم في الوعد الذي كتب لهم في اللوح المحفوظ‏.‏